جلال الدين السيوطي

246

همع الهوامع شرح جمع الجوامع في النحو

ذلك ، قال ابن مالك : وهو الصحيح ؛ لثبوته في النثر والنظم ، قال تعالى : وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى [ عبس : 3 - 4 ] ، وقال : لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ [ غافر : 36 - 37 ] في قراءة من نصب فيهما ، وقال أبو حيان : يمكن تأويل الآيتين بأن النصب فيهما من العطف على التوهم ؛ لأن خبر لعل كثر في لسان العرب دخول أن عليه ، وفي شرح « كتاب سيبويه » لأبي الفضل الصفار : خالفنا الكوفيون في ( غير ) فأجازوا بعدها النصب ؛ لأن معناها النفي نحو : أنا غير آت فأكرمك ؛ لأن معناه ما أنا آت فأكرمك ، قال : وهذا لا يجوز ؛ لأن ( غيرا ) مع المضاف إليها اسم واحد ، و ( ما ) بخلافها ؛ لأنك تقدر بعدها المصدر فتقول : لكن كذا وما يكون كذا و ( غير ) لا يتصور فيها ذلك ؛ لأنها مع ما بعدها اسم فلا يفصل منها ويحذف لشيء آخر ؛ لأن في ذلك إزالة لوضعها . وأشار بدر الدين بن مالك إلى أن أباه وافق الكوفيين في ذلك ، قال أبو حيان : وزعم الكوفيون أن ( كأن ) إذا خرجت عن التشبيه جاز النصب بعد الفاء نحو : كأني بزيد يأتي فتكرمه ؛ لأن معناه ما هو إلا يأتي فتكرمه ، قال : وهذا الذي قالوه لا يحفظه البصريون ولا يكون ( كأن ) أبدا للتشبيه ، وفي « التسهيل » يلحق بالنفي التشبيه الواقع موقعه نحو : كأنك وال علينا فتشتمنا ، تقديره ما أنت وال علينا فتشتمنا ، قال أبو حيان : وهذا شيء قاله الكوفيون ، قال ابن السراج : وليس بالوجه ، ومنع البصريون من تقدم هذا الجواب على سببيه ؛ لأن الفاء عندهم للعطف ، وجوز الكوفيون فيقال : ما زيد فنكرمه يأتينا ؛ لأن الفاء عندهم ليست للعطف ، فقولي : « وجوزوا » ، أي : الكوفية ، وجوز الكوفيون أيضا تأخير معمول السبب بعد الفاء والمنصوب نحو : ما زيد يكرم فنكرمه أخانا ، تريد ما زيد يكرم أخانا فنكرمه . ومنع أكثر النحويين النصب بناء على أن الفاء عاطفة على مصدر متوهم فكما لا يجوز الفصل بين المصدر ومعموله فكذا لا يجوز بين ( يكرم ) ومعموله ؛ لأنه في تقدير المصدر ، وإن تقدمت جملة اسمية نحو : ما زيد قادم فتحدثنا ، فأكثر النحويين على أنه لا يجوز النصب ؛ لأن الاسمية لا تدل على المصدر وذهب طائفة إلى جوازه ، وقال أبو حيان : الصحيح الجواز بشرط أن يقوم مقام الفعل ظرف أو مجرور أو اسم فاعل أو مفعول ؛ ليدل ذلك على المصدر المتوهم نحو : ما أنت عندنا فنكرمك ، وما أنت منا فنحسن إليك ، وما زيد مكرم لنا فنكرمه ، وما زيد يكرم فنكرمه ، فإن كان اسما لا دلالة فيه على المصدر نحو : ما أنت زيد فنكرمه لم يجز النصب ويتعيّن القطع أو العطف ، والقطع أحسن ؛ لأن العطف